ابن كثير
155
البداية والنهاية
أمره ، ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحابه ، فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه ونعله ، وإلا أتاك مني سهم بكل حتف قاض ، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون وقد تكلم ابن طرار على ما وقع في هذا الكتاب من الغريب ، وكذلك ابن قتيبة وغيرهما من أئمة اللغة والله أعلم . وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان عن الزبير - يعني ابن عدي - قال : أتينا أنس بن مالك نشكو إليه ما نلقى من الحجاج ، فقال : اصبروا فإنه لا يأتي عليكم عام أو زمان أو يوم إلا والذي بعده شر منه ، حتى تلقوا ربكم عز وجل ، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم ( 1 ) وهذا رواه البخاري عن محمد بن يوسف ، عن سفيان وهو الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس قال : " لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه " الحديث . قلت : ومن الناس من يروي هذا الحديث بالمعنى فيقول : كل عام ترذلون . وهذا اللفظ لا أصل له ، وإنما هو مأخوذ من معنى هذا الحديث ، والله أعلم . قلت : قد مر بي مرة من كلام عائشة مرفوعا وموقوفا : كل يوم ترذلون . ورأيت للإمام أحمد كلاما قال فيه : وروي في الحديث كل يوم ترذلون نسما خبيثا . فيحتمل هذا أنه وقع للإمام أحمد مرفوعا ، ومثل أحمد لا يقول هذا إلا عن أصل ، وقد روي عن الحسن مثل ذلك ، والله أعلم . فدل على أن له أصلا إما مرفوعا وإما من كلام السلف ، لم يزل يتناوله الناس قرنا بعد قرن ، وجيلا بعد جيل ، حتى وصل إلى هذه الأزمان ، وهو موجود في كل يوم ، بل في كل ساعة تفوح رائحته ، ولا سيما من بعد فتنة تمرلنك ، وإلى الآن نجد الرذالة في كل شئ ، وهذا ظاهر لمن تأمله ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وقد قال سفيان الثوري : عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي . قال : يأتي على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج . وقال أبو نعيم عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر . قال : قال الشعبي : والله لئن بقيتم لتمنون الحجاج . وقال الأصمعي : قيل للحسن : إنك تقول : الآخر شر من الأول ، وهذا عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج . فقال الحسن : لا بد للناس من تنفيسات . وقال ميمون بن مهران : بعث الحجاج إلى الحسن وقد هم به ، فلما قام بين يديه قال : يا حجاج كم بينك وبين آدم من أب ؟ قال : كثير ، قال : فأين هم ؟ قال : ماتوا قال : فنكس الحجاج رأسه وخرج الحسن . وقال أيوب السختياني : إن الحجاج أراد قتل الحسن مرارا فعصمه الله منه ، وقد ذكر له معه مناظرات ، على أن الحسن لم يكن ممن يرى الخروج عليه ، وكان ينهى أصحاب ابن الأشعث عن ذلك ، وإنما خرج معهم مكرها كما قدمنا ، وكان الحسن يقول : إنما هو نقمة فلا تقابل نقمة الله بالسيف ، وعليكم بالصبر والسكينة والتضرع . وقال ابن دريد عن الحسن بن الخضر
--> ( 1 ) مسند أحمد 3 / 177 .